الأوضاع السياسية :
بعدما إنتهى زمن الخلافة
الراشدية بمقتل الإمام علي رضي الله عنه وأرضاء سنة 41 هـ ، ومع بداية هذه السنة
بدأ عصر الخلافة الأموية مع الصحابي معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما ، فدامت
خلافته حوالي عشرون سنة ثم تداول الخلفاء من بعده على الخلافة الأموية ، فامتدت
هذه الخلافة من سنة 41 ه إلى سنة 132 ه ، فمع هذه الفترة القصيرة التي حكمتها
الخلافة الأموية إلا أنها تميز حكمها بالإيجابية و السلبية ، ولعل من أهم السلبيات
التي تميزت بها توريث نظام الحكم للخلافة ، أي بعد ما كان ينصب الخليفة عن طريق
مبدأ الشورى بين العلماء وأهل الرأي ، أصبح الخليفة يرث الحكم أبا عن جد.
وبعد سقوط الخلافة الأموية
سنة 132 ه على يد أبي العباس السفاح ، بدأ عصر الجديد للخلافة على يد العباسيين
الذين سيطرو على زمام الأمور ، وإستطاعوا إحكام قبضتهم على نظام الحكم ، لم يكن قيام
دولة الخلافة العباسية مجرد بيعة خليفة دون آخر أو إنتقال الحكم من الأموين الى
العباسيين في حكم المسلمين ، بل يعتبر هذا الحدث أكثر مجرد تغيير في الأسر الحاكمة
لقد كانت الثورة العباسية وما نتج عنها من تغيير جذري في المجتمع الاسلامي نقطة
تحكم هامة وفاصلة في هذا المجتمع لازمته طوال العصر العباسي الأول ، فكانت الخلافة
العباسية في عصرها الأول (132 ه - 228 ه) من أزهى الأعصور و التي إزدهر فيها
العالم الإسلامي ، فإستطاع خلفاء هذا العصر أن يحفظ وحدة العالم الإسلامي من
التفكك والتمزق ، فكان كالحصن المنيع لوحدة العقيدة الإسلامية وكان بالمرصاد
للحركات الماجوسية و الإنحرافات الأخرى كالزندقة وما شابه ذلك (1)
وفي العصر العباسي الثاني والذي يبدأ من سنة 232 ه ، والذي عاصره الإمام الماوردي ، بدأت الخلافة بالضعف وأخذت الأوضاع السياسية بالتقلب ، فخشى الخلفاء العباسيون من تزايد نفوذ الفرس فأخذو يجلبون الأتراك ، ولكن ما البث هاؤلاء الأتراك إلا أن تزايدت نفوذهم فأصبحوا يتدخلون في شؤون الخلفاء وفي قراراتهم ، فكان عدم الإستقرار واضح وظاهر على الدولة العباسية ، فأدى ذلك إلى ضعف الخليفة العباسي نتيجة التزايد الواضح في القوة للقواد التركية من جهة وتفاقم خطر الدول المستقلة من جهة أخرى (2)
وإزداد الأمر تأزما لما
قوت شوكة بنو بويه وتأسيس دولتهم سنة 321 ها على يد الإخوة الثلاثة ، وهم عماد
الدولة أبو الحسن علي ، و ركن الدولة أبو الحسن علي ، ومعز الدولة أبو الحسن ، وهم
أبناء أبي شجاع بويه ، فكان معز الدولة أبو الحسن من أبرز ملوك بنو بويه ، حيث
حصلت بينه وبين الخلفاء العباسيين والأمراء عدت أزمات تمثلت في صراعات داخلية وصلت
إلى حد المواجهة المباشرة. فمن أبرز المواجهات التي حصلت آن ذاك هي المعركة التي
خاضها ناصر الدولة بن حمدان ضد معز الدولة بنو بويه ، حتى إنتهى الأمر بالصلح ،
فرجع إبن حمدان إلى الموصل بينما معز الدولة إستقرى هناك ببغداد (3)
في عهد الخليفة الراضي ظهر نظام ما يسمى بإمرة الأمراء (324 ها 334 ه) الموافق ل (936 - 946 م ) ، حيث نصب الخليفة الراضي محمد بن رائق أميرا على واسط و البصرة وسلمه مقاليد الأمور، وأطلق عليه لقب أمير الأمراء وقد وصف إبن الأثير أوضاع دولة الخلافة في عهد الراضي قائلا : (.. ولم يبقى للخليفة غير بغداد و أعمالها والحكم جميعها لإبن رائق ليس للخليفة حكم. وإنما في باقي الأطراف فكانت البصرة في يد إبن رائق، وخرسان في يد البريدي ، وفارس في يد عماد الدولة بن بويه ، وكرمان في يد أبي محمد بن إلياس ، والري وأصفهان والجبل في يد ركن الدولة بن بويه ... ، و من الأحداث المهمة التي شهدها عهد المقتدر - أيضا . قيام دولة بني حمدان في الموصل، فقد استمر أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان يحكم الموصل والبلاد التابعة لها من قبل الخليفة المكتفي حتى وفاته سنة (317 هـ) ، فورثه ابنه حسن الملقب ناصر الدولة على ولاية الموصل، واستطاع أن يمد سلطانه إلى ديار ربيعة ومضر بأرض الجزيرة، وقد اتسع نفوذ الحمدانيين وملكهم بعد وفاة الخليفة المقتدر، ونجحوا في بسط سلطانهم على حلب وشمال الشام سنة (331 هـ) بقيادة زعيمهم المعروف سيف الدولة الحمداني ، ومصر والشام في يد محمد بن طغج ، والمغرب وإفريقية في يد أبي القاسم القائم بأمر الله ... ، والبحرين و اليمامة في يد طاهر القرمطي(4)
فبعد تولي سلطان الدولة أبو شجاع (403 هـ - 411 ه ) إزداد نفوذ الأتراك ، ويرجع ذلك إلى ضعف سلاطين بنو بويه و تسلم الأطفال عرش السلطة، لذلك أخذ الأتراك يتدخلون في تولية سلاطين بنوا بويه وعزلهم ، فمن خلال هذا نجد الخليفة العباسي لا يملك إلا تنفيذ رغباتهم ، وفي سنة 419 ه ثار الأتراك على جلال الدولة فنهبوا داره وأخذو كل مايملك و عتدوا على أهله ومنعوا عنه الطعام والماء فتدخل الخليفة وأصلح بينهم ولكن الأمر لم يلبث إلا قليلا حتي رجعت الأمور كما كانت سابقا. وفي خلافة القائم بأمر الله وفي عهد سلطة جلال الدولة ، أصبح بنو بويه يديرون العالم الإسلامي و ذلك لما أصاب الدولة العباسية من ضعف ووهن، ففي سنة 424 ه أصبحت البصرة مركزا للصراع بين جلال الدولة وإبن أخيه عماد الدولة فأدى كل هذا إلى إضعاف كاهل الخلافة نتيجة هذا التأزم والتمزق الداخلي والذي أدى بدوره إلى هشاشة الحكم وفقدان السيطرة فأصبح كل واحد يدب بهواه (5)
حال الماوردي وسط هذه الأوضاع :
قضى الماوردي الشطر الأكبر
من حياته في بغداد حيث عاصر خليفتين إثنين هما القادر بالله (381 هـ - 422 هـ )
والقائم بأمر الله (422 هـ - 467 هـ). ومع أن سلطة هاتين الخليفتين كانت محدودة و
مقيدة وذلك لتسليط البويهيين على الخلافة وتوسيع نفوذهم والسيطرة عليها ، ومع ذلك
ضل الماوردي على ولائه للخلافة العباسية ونصب نفسه في وجه البويهيين. فالماوردي لم
يقف إلى جانب الخلافة نظريا فقط، بل عمل مواضبا في خدمة هاذين الخليفتين اللذين
كانا يحاولان بث النشاط في الفكر والهيكل الخلافة ، ففي عهد الخليفة القادر بالله
عمل الماوردي في بلاطه ، فمن خلاله كان الخليفة واسع الإطلاع على فقه السنة
للمذاهب الأربعة ولقد تمتع الماوردي هو وبقية الفقهاء بالثقة الكاملة من طرف
الخليفة وتحصلوا على ألقاب ومناصب عديدة و التي كان الخليفة يمنحها لهم (6).
وعندما توفي القادر بالله عام 422 هـ وخلفه القائم بالله دخل الماوردي بشكل أكثر صراحة ، فكان ركن أساسي في الخلافة العباسية حيث كان المبعوث الخاص للخليفة وعمل كوسيط دائم بينه وبين الأمراء البويهيين التي كانت تصرفاتهم مقلقة بالنسبة للخليفة ، كما عمل الماوردي بجهد كبير على توطيد العلاقة بين الخلافة العباسية وبين السلاجقة التي كانت قوتهم تتصاعد وتتعاظم ، فكانت جيوشهم أيام السلطان طغل به تتغير وتدمر وتنهب ، فكان لابد من تأمين الخلافة والخليفة ورعيته على حياته وممتلكاته ، فإشتهر الماوردي بسفارته الديبلوماسية حيث كان الهدف من هذه السفارة إصلاح الأمور بين الأقطاب السياسية المتنافرة والتي كان كثيرا ما تلجأ إلى إستخدام السلاح لحل مشكلاتها (7)
إلتزام الماوردي بمبادئه ومواقفه الحاسمة فهو لا يتردد أبدا في قول الحق ولو كان فيه غضب الخليفة أو آل بويه ، ومن أهم المواقف التي تثبت ذلك هو ذالك الموقف الرائع الذي إتخذه الماوردي ضد محاولة جلال الدولة ( كبير آل بويه ) الحصول على لقب شاهنشاه الأعظم ( أي ملك الملوك ) ، كانت شهوة السلطة قد إستبدت بالأمير البويهي ، فراح يسعى لدى الخليفة كي يمنحه ذلك اللقب ، ولقد إمتنع الخليفة في بادئ الأمر إلا أن بعد الضغوط التي تعرض لها من الأمير البويهي قرر الخليفة أن يستشير الفقهاء وعلى رأسهم أبي الحسن الماوردي ، فأجاز بالأمر أربعة فقهاء من بينهم الفقيه البارز أبو الطيب الطبري ، في حين إنتظر الجميع أقضی القضاة (أبو الحسن الماوردي) وظن آل بويه أن الرجل رجلهم غير أن الماوردي لم يكن ذلك الصنف من العلماء فلم يكن للرجل أن يتخلى أن يتخلى عن مبادئه إبتغاء مرضات السلطان ، فقال الماوردي : أن لقب ملك الملوك يختص بإسم الجلالة هو الله سبحانه عز وجل ولا يجوز أن يسمى به أي كائن او مخلوق يسير على سطح الأرض ، فغضب جلال الدولة لهذا الموقف الذي إتخذه الماوردي ، إلا أن الماوردي لم يأبه لغضبه لأنه كان مؤمنا كل الإيمان بأن لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق(8)
إذن الأوضاع السياسية التي عاصرها الماوردي ، تحمل الكثير من العناء بسبب اضطراب الوضع السياسي آنذاك ، فكان يبذل جهود واسعة من خلال النصح والإرشاد والتوسط للأطراف المتنازعة، المتمثلة في الخليفة وحاشيته، و البويهيين و السلاجقة، و الدويلات التي عاصرها ، ولذلك فإن تأليفه اتسمت بمحاولة إيجاد الحلول الواقعية للمسائل النظرية، و إيجاد الحكم الشرعي للمسائل المتجددة التي يعيشها، ولم تكن موجودة من قبله لذلك فقد أغنى التشريعات بما إستنبطه من أحكام للحوادث التي طرأت فقدبحث في وزارة التفويض و وزارة التنفيذ و أحكام الغاصبين و ولاياتهم و الولايات المستجدة في عصره.
| الماوردي و أوضاعه السياسية التي عاصرها في الخلاقة العباسية |
أ. فـاروق حمرالعيـن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أمحمد طالبي ، السياسة الماوردي بين المثالية والواقع
(2) عماد الدين خليل ، حول القيادة والسلطة في التاريخ الإسلامي ، ط1
(3) إبن کثیر، البداية والنهاية ، حق: عبد الله بن عبد المحسن التركي ، ط1
(4) حمد سهيل طقوس ، تاريخ الدولة العباسية ، ط1
(5) حسين براهيم حسين ، ط1 ، ج 3
(6) أبي الحسن الماوردي ، قوانين الوزير وسياسة الملك ، حق: رضوان السيد، ط 1
(7) نفس المصدر
(8) أحمد وهبان ، الماوردي رائد الفكر الإسلامي السياسي
تعليقات
إرسال تعليق
مشاركتكم تشجعنا