القائمة الرئيسية

الصفحات

بول فييرآبند ( Paul Feyerabend) : الأسس الميتودولوجية للعقلانية العلمية ، الفوضوية / النسباوية

 

بعدما حاول  بول فييرآبند ( Paul Feyerabend) صياغة الأسس الإبستمولوجية للعقلانية العلمية و التي تمثلت في النظرية البراغماتية للملاحظة و النظرية العلمية و سياق الكشف و التبرير و الموضوعية و اللامقايسة ـ التي سنتحدث عنها لاحقا ـ ، هاهو ذا يلخص لنا  بول فييرآبند ( Paul Feyerabend) الأسس الميتودولوجية للعقلانية العلمية التي تختلف كليا عن باقي المقاربات الكلاسيكيه ، حيث تمثلت ميتودولوجية فيرابند في : 

أ ـ الفوضوية عند فيرابند :

ألف  بول فييرآبند فيها كتابا يعدّ من أهم الكتب التي تعبر عن أعماله الفلسفيه في العلم و الذي سمّاه ضد المنهج  فالعلم بالنسبة لفيرابند هو مشروع فوضوي لا يعترف بسلطة تُقيده أو تحد من نشاطه .

و يرتبط مفهوم الإبستمولوجية الفوضويه عند فيرابند بالإحترام و تقدير حرّيات الفرد في التفكير و تحديد شؤونه و نبذ كل العراقيل التي تقف أمام تحقيق ذاته الإنسانيه و حريتها ، يقول فيرابند ( عند اختيار مصطلح الفوضوية لمشروعي قد اتبعتُ استخدام عام و بسيط ، و مع ذلك فإنني لا أعتزم افتراض الفوضوية كما تم ممارستها في الماضي ، ذلك لأنها قليلة الإهتمام بالحياة الإنسانية لهذه الأسباب فإنني أفضل استخدام مصطلح الدّاديّة *، ذلك لأن الدّادي يترك الكائن البشري لشأنه و لا يأثر بأي مشروع جامد ) [1]

و من هنا يظهر الإختلاف الشاسع بين الفوضوية الإبستمولوجية و غيرها ، حيث عمل فيرابند على محاولة الإهتمام بالشّق الإنساني و الحياة الإجتماعية التي أهملتها السّابقة عنه ، لهذا يرى فيرابند أن الفوضوية الإبستمولوجية هي القاعدة المثالية لغلق الفجوة بين الإبستمولوجيا و واقع العلم و احتواء عوالمهم يقول فيرابند : ( إن الفوضوية ربّما ليست الفلسفة السياسية الأكثر جاذبية ، لكنّها بالتّأكيد هي العلاج الفعال للإبستمولوجيا و لفلسفة العلم )[2] و بطبيعة الحال يقصد فيرابند بمعنى كلمة الفوضوية ليست العشوائيّة أو ماشابه ، بل يقصد فك قوانين العقل و عدم التّقيد بالعقلانية و معاييرها ، في المقابل التّفتح على باقي الأساليب المنهجية الأخرى ، يقول فيرابند ( إن أُطروحتي هي أن الفوضوية تُساهم في في إحراز التّقدم مهما كان المعنى الذي تحمله ، و حتى العلم القائم على النظام و القانون لا يحقق نجاحا ، إلاّ إذا فسح المجال لحركات فوضوية و أن فكرة المنهج الثابت و النظرية الثابته للعقلانية تقوم على رؤية ساذجة جدا للإنسان ، و لمحيطه الإجتماعي ن و إلى هؤلاء الذين ينظرون إلى المادة الثريّة التي يزخر بها تاريخ العلم دون محاولة تطويرها من أجل نزعة عقلانية تقوم على مفاهيم مثل : الوضوح ، الدّقة ، الموضوعية ، الحقيقة ،الصّدق ـ الى هؤلاء ـ سوف يتّضح أن هناك مبدأ واحد فقط يمكن الدفاع عنه في كل الظّروف و كل مراحل التّطور الإنساني و هو     " كلّ شيءٍ حسن " )[3]

و عليه يُوضّح فيرابند من خلال هذا أن الفوضوية تساعد العلم على التّقدم و التطور إذا اعتمد على حركات فوضوية تساعده في ذلك و أن العلم المُقيد بنظام و قانون لا يمكنه أن يثحقق نجاحا و قد وصفه بالعلم السّاذج و بالتالي هناك مبدأ واحد فقط يمكن الدفاع عنه و هو " كل شيءٍ حسن "  و يعدّهذا الشّعار الأساس الجوهري الذي تقوم عليه النظريه الفوضويّه .

إن العلم في نظربول فييرآبند ( Paul Feyerabend) لا يمكن أن يبقى تحت سطوة قواعد ثابته تحدد مسيرته ، و لا توجد نظريه واحده بل يوجد عدد غفير من النظريات المتعارضه و تقاليد مختلفه ، و بالتالي لا يوجد حدود عقلانية بل كل نظرية و معتقد و فكرة و منهج لها دور في فهم الطبيعه يقول فيرابند ( إذا أردنا أن نفهم حقيقة العلم يجب علينا استعمال جميع الأفكار ، جميع المناهج ، وليس إنتقاء البعض منها فقط )[4] ، و يعدّ شعار " كل شيء حسن " يُعبّر فيه عن المأزق العقلاني حيث يقول ( كل شيء على ما يُرام ليس هو " المبدأ " الواحد الوحيد لمنهجية حديثة أنصح بها ، إنما هي الوسيلة الوحيدة التي نتعهد بها و بشكل ثابت المعايير الكلية و الرغبة في أن نفهم التاريخ في حدودها ) [5]، و لقد افتعل هذا الشّعار العديد من الحركات النقدية من طرف الإبستمولوجيين و فلاسفة العلم ، حيث اعتبره الكثير من هؤلاء أنه فشل نظري و تطبيقي في  ايجاد حلول الإبستمولوجيا الراهنة ( فالقول بأن كل شيء حسن يعني علميا استمرار الأوضاع على ما كانت عليه )[6] ، و عليه نستنتج ان فيرابند عند قوله بالفوضوية و تحرير العلم من قيود تحكمه و تفرض سيطرتها عليه ، أي الخروج عن سلطة أي منهج كان انطلاقا من نزعة أناركية Anarchismتضرب صميم المنهج العملي و تخرج عن مسلماته المعروفة في فلسفة العلم ، ليأتي في المرحلة في المرحلة التالية بتوليفة جديدة بين اللاعقلانية التي كانت الدافع الجديد للإستمرار في عرض أفكاره الأناركية * التي لا تشهد لها فلسفة العلم بمثيلتها ( إذ يرى أن العلم يتقدم و يتطور من مرحلة الى أخرى حينما يتحرر من سلطة العقلانية ، و يُقدم نفسه مشروعا لا عقلانيا لهذه المرحلة و بنزعه فوضوية أناركيّه تميل الى التخلص من مسلمات العقلانية و قواعد الحس المشترك المعمول بها ) [7].

مما سبق يظهر التّوجه الصّريح لبول فيرابند انطلاقا من إيمانه بفكرة اللّاعقلانيّة و اللّامنج و الفوضوية العلمية التي تخرج عن مألوف العلم الكلاسيكي و تُؤسس لنظرة علميّة جديدة ، يقول  بول فييرآبند ( Paul Feyerabend)   ( فالعلماء المختلفين يستخدمون روايات مختلفة لتدعيم موقفهم ، فإذا كانوا لاعقلانيين فسيختارون التي تروقهم ، أما إذا اختاروا أسلوب الحجج فيكونوا قد اختاروا أيضا رواية يستخرجون منها درسا لا يراه الآخرون ) [8]، و عليه يمكن القول أن كلتا الحالتين تخرج عن الأسس العقلانية السّائدة .



ب ـ العقلانية العلمية و النسباوية عند فيرابند :

من المعروف أن النسباوية يعود تاريخ ظهورها منذ القديم أي ما قبل سقراط ، حيث ينحصر مفهومها العام في مدى تأسيس معرفة نسبية ، أي هي مذهب جاء في مقابل المذاهب الأخرى التي تؤمن بفكرة المطلق ، و مبدأ هذه النزعة هي القول بأن كل معرفة انسانية هي معرفة نسبيه و بالتالي لا وجود لحقيقة مطلقة و ثابته ، الأمر الذي تبنّاه فيرابند فيصف نفسه بالنسباوي المتحمّس بإعتبار النسباوية بالنسبة إليه فلسفة انسانية تبحث في صراع الثّقافات المختلفة و العادات و التقاليد و غيرها من الشكال الفردية و الإجتماعية ، و هنا ينشأ التطابق الكبير مع نزعته الفوضوية التي تتبع تعدد النظريات و المناهج ( فالنسباوية التي ينشدها فيرابند هي دعوة إلى إحياء التّعددية و التّنوع الثقافي و المعرفي النّابع من صميم الوجود لإنساني ، فهي لا تعني أن كل فكرة أو حقيقة تختلف من شخصٍ إلى آخر ، و لدى الشّخص الواحد من حالة إلى أخرى ، بل النسباوية تعني التنوع في وجهات النّظر ، و تنوّع العادات و التّقاليد ، فالأفكار و التقاليد القديمة و الكوزمولوجيات البدائية و إن كانت تختلف عن اليوم إلا قد يكون لها القدرة على خلق الوجود المادي و الروحي لنا  فليست هناك طريقة واحدة و رؤية واحدة للحياة . ) [9]، في حين أشار فيرابند الى الإنتقادات و الإعتراضات التي تواجه النسباوية و التي غالبا ما تكون من طرف العقلانيين و ذلك نظرا لإيمانهم بيقينيّة العقل و مطلقيّته الأمر الذي جعل منه يُدين للعقل ليس لأنه غير قادر على إدراكه لمعارفنا بل لمدى قداسيتهم و عبادتهم له ، يقول فيرابند ( غالبا ما تواجه النزعة النسبيّة هجوما ليس بسبب أن المرء قد عثر على خطأ فيها ، و إنما لأن المرء يخشاها ، و يخشى المثقّفون النزعة النسبية لأنها تُهدد دورهم في المجتمع ، كما هدد التّنوير ذات يومٍ وجود الكهنة و اللاّهوتيين ) [10].

في حين لا يمكن أن ننسى أن هذا الرّد هو انتقاد غير مباشر كذلك لـ كارل بوبر الذي يوحد بين مشكلة موضوعيّة المعرفة و بين النظريات العلمية التي قد تكون ممكنة في مجال الفيزياء لكن لا يمكن أن توجد في مجال التّاريخ و علم النفس و غيرهم .

و يتّخذ بول فييرآبند ( Paul Feyerabend) من النظريات العلمية طرق و قواعد يمكن اعتمادها في إعادة النظر للعلم ، مما يجعلها تُؤثر على نظرنا و معتقداتنا للعالم الخارجي ، فتتوصّل إلى نتيجة وجود عوالم مختلفة و من ثمّ اختلاف العادات و التّقاليد و الأفكار و غيرها حيث ( يرتبط كذلك مفهوم النسباويّة الإدراكيّة التي تقوم على فكرة الإدراك بالمعتقدات و الخبرة الذاتيّة ، فما يراهُ مُلاحظ ما أو يشعر به من تجربة بصرية يتوقف في جانب منه على تجاربه الماضيّة و معارفه و معتقداته و عاداته ، فلا وجود لملاحظات و تجارب موضوعية و ثابته .) [11]

و كإضافة هامة لا يمكن أن نعتبر بول فييرآبند ( Paul Feyerabend) صاحب التّوجه النسباوي على أنه يرفض الصّدق و الموضوعيّة رفضا مطلقا ، بل يرفض أن توجد معايير كُلّيّة و شاملة و أن الإتجاه الموضوعي هو صاحب الحكم و الفصل في كل شيء ، و أن تكون هناك رؤية و طريقة موّحدة للأشياء  فالنسباويّة تعني التّرحيب بكل الآراء الممكنة و التّصورات و مدى تطابقها مع الواقع ، و من هنا تكمن رؤية فيرابند و اتّخاذ الفوضوية و النسباويّة انطلاقة لتأسيس اللاعقلانية .

بول فييرآبند ( Paul Feyerabend) : الأسس الميتودولوجية للعقلانية العلمية ، الفوضوية  النسباوية
 بول فييرآبند ( Paul Feyerabend) : الأسس الميتودولوجية للعقلانية العلمية ، الفوضوية  النسباوية 

أ. سارة حمرالعين




[1]ـ P.Feyerabend :Contre La méthode.OP Cit.P18

*الداديّة Dadaisme: في الفن و الأدب البرجوازيين ظهر عام 1915ـ1916 في سويسرا و فرنسا عن طريق بعض الشّعراء و الفنانين الذين هاجروا إلى سويسرا هربا من هول الحرب ع2، و يدعو هذا الإتجاه إلى الحريّة في الفن و التّخلص من كل القيود التّقليديّة ، و من المبادئ الجمالية للدّاديين : عاطفة ، السّخرية ... ، يُنظر إلى : بوصالحيح حمدان ، العقلانية العلمية و انتقاداتها " فيرابند أنموذجا " ، المرجع السابق ، ص148.

[2] ــP.Feyerabend : Contre la méthodde. OP Cit .P13

[3]ـIbId P25.

[4]ـP.Feyerabend : Contre La méthode. OP Cit .P346

[5]ـ بول فيرابند ، العلم في مجتمع حر ، المصدر السّابق ، ص54.

[6]ـ آلان تشالمز ، نظريات العلم ، المرجع السّابق ، ص145.

[7]ـ علي حرب ، الموسوعة الفلسفية " الفلسفة الغربية المعاصرة " ، ج2 

*الأناركيّة Anarchisme : و تعني الفوضويّة أو اللاّسلطويّة ، اختلال النّظام الإختلال الناجم عن غياب سلطة مُنظّمة ، و هي مذهب سياسي و تكمن سمتهُ المشتركة في رفض كل نظام دولة يفرض نفسه على الفرد من فوق ..

[8]ـ بول فيرابند ، ثلاث محاورات في المعرفة .

[9]ـ بوصالحيح حمدان ، العقلانية العلمية و انتقاداتها " فيرابند أنموذجا " 

[10]ـ بول فيرابند ، العلم في مجتمع حر 

[11]ـ بوصالحيح حمدان ، العقلانية العلمية و انتقاداتها " فيرابند أنموذجا " 

أنت الان في اول موضوع

تعليقات

التنقل السريع